بصفتك مستشاراً، فإن امتلاك المهارات المناسبة يُعد أداة قوية لاقتناص فرص العمل والتعاون. فالمهارات ذات الصلة التي تطورها خلال مسيرتك المهنية يمكن أن تساعدك في دورٍ تتغير فيه قائمة العملاء والمسؤوليات باستمرار. وتعزيز هذه المجموعة من المهارات يجعلك أكثر قدرة على التكيّف والكفاءة، بغض النظر عن مكان وشكل عملك.
في هذا المقال، سنناقش سبع مهارات استشارية رئيسية يقدّرها أصحاب العمل والعملاء، وكيفية تطوير هذه المهارات، وكيفية تطبيقها في بيئة العمل.
1. ما هي مهارات الاستشارات الإدارية؟
المستشارون الجيدون يتمتعون بمهارات تتيح لهم تقديم معلومات ملموسة ومحددة للمساعدة في حل مشكلة أو تحسين عملية داخل المؤسسة. ويمكنك تطوير هذه المهارات من خلال الخبرة المهنية، عبر السعي المستمر لتعلّم المهارات الجديدة وتعزيز فهمك للأعمال.
2. المهارات الأساسية في مجال الاستشارات
بصفتك مستشاراً، من المحتمل أن تقضي أيامك في جمع البيانات، وصياغة الاستراتيجيات، وتقديم الخطط للعملاء والشركات التي تطلب مشورتك. إليك قائمة بالمهارات التي تساعدك في تنفيذ هذه الخطوات جميعها:
2.1. الاستماع والتواصل
المستشارون هم محترفو حل المشكلات، ولكن لكي يؤدوا وظيفتهم بكفاءة، يجب أن يكونوا مستمعين ممتازين. يقول الفيلسوف اليوناني إبكتيتوس: “لدينا أذنان وفم واحد لكي نستمع ضعف ما نتكلم.”
يثق بك العملاء لمساعدتهم في حل مشكلاتهم، وأفضل طريقة للقيام بذلك هي أن تستمع إليهم بعناية، وأن تمنحهم اهتمامك الكامل. دعهم يشرحون مشكلاتهم بتفصيل دون مقاطعة، واطرح أسئلة توضيحية لفهم حجم ونطاق المشكلة بشكل كامل.
من أسوأ الأمور التي قد تقوم بها كمستشار هو أن تبني رأياً على فهم غير دقيق وتحاول إصلاح الوضع بناءً عليه. فإن احتمالية تفاقم المشكلة — وربما بشكل كارثي — تكون عالية جداً. الثقة عنصر أساسي في هذا المجال، وإذا تم فقدانها، فإن استعادتها تصبح عملية طويلة ومؤلمة.
إذا عملت في مجال الاستشارات، فستقدّم عروضاً تقديمية بشكل منتظم للإدارة العليا والتنفيذيين. لا يُسمح لك بارتكاب أخطاء أمامهم. يجب أن تعرف بياناتك، وتفهم القصة التي ترويها، وتعرضها بوضوح ودقة.
2.2. التعاطف
كمستشار، يجب أن تتحلى بالتعاطف أثناء تواصلك مع عملائك. ففهم الأمور من وجهة نظرهم يساهم كثيراً في بناء علاقة عمل سلسة. عندما يُطلب منك تقديم خدماتك، فقد تكون المشكلة جديدة عليك، لكنها ليست كذلك بالنسبة للعميل — فهو يتعامل معها منذ فترة وقد يشعر بالإحباط أو التوتر أو الحساسية حيالها.
أحياناً، يتم الاستعانة بك لإتمام مشروع لم تستطع فرقه الداخلية تنفيذه، أو لم يُسمح له بإنجازه رغم قدرته عليه، وهذا أمر قد لا يُرضيه.
غالباً ما يحصل المستشارون على المقابلات بسبب مهاراتهم التقنية (Hard Skills)، ولكن يتم توظيفهم ويحرزون تقدماً في هذا المجال بفضل مهاراتهم الشخصية أو الناعمة (Soft Skills). فهدفك النهائي كمستشار هو تحقيق تعاون ناجح يشعر العميل بعده بالرضا والامتنان — وهو ما يجعله يعود إليك مستقبلاً عند الحاجة. والتحلي بالتعاطف يُسهم بشكل كبير في بناء علاقة قوية وطويلة الأمد.
2.3. الشغف بالتعلم المستمر
إذا لم تكن من محبّي التعلم والنمو المستمر، فإن الاستشارات ليست المسار المهني المناسب لك. فمع كل مشروع جديد، يجب عليك أن تتعلم عن العميل وصناعته، وعن موقعه داخل تلك الصناعة، وتفاصيل التحديات التي يواجهها، ونقاط القوة والضعف لديه، ومنافسيه، وزبائنه. وذلك بالإضافة إلى المهارات التقنية التي قد تحتاج لاكتسابها لإنجاز العمل.
المستشار القوي يتعلم العديد من المهارات والتقنيات الجديدة لمساعدة عملائه — وهذه هي طبيعة هذا العمل.
في كتاب “عبر المرآة” للكاتب لويس كارول، تعود أليس إلى بلاد العجائب وتجد نفسها في سباق الملكة الحمراء. تركض أليس بأقصى ما تستطيع، لكنها تظل في مكانها. فتخبرها الملكة: “هنا عليك أن تركضي مرتين أسرع حتى تتحركي من مكانك.” هذه هي طبيعة عالم الأعمال والاستشارات. إما أن تتعلم باستمرار وتجري ضعف سرعة الآخرين، أو ستتخلف عن الركب.
2.4. حل المشكلات بطريقة إبداعية
يُعد الإبداع أولوية قصوى في مجالات مثل الكتابة، وتصميم الجرافيك، والطهي، لكنه كثيراً ما يُهمل في أدوار أخرى. لكن التفكير الإبداعي لا يُقدّر بثمن، وخاصة في مجال الاستشارات. في عالم الأعمال، هناك ثلاثة أنواع من الأشخاص: من يفكر داخل الصندوق، ومن يفكر خارجه، ومن لا يعترف بوجود صندوق من الأساس. غالباً ما تضم الشركات النوع الأول، أما النوعان الآخران فهما أندر — وهنا يظهر دور المستشار الذي يعتمد على التفكير المتشعّب وحل المشكلات.
فكّر في الأمر بهذه الطريقة: لو كان حل مشكلة العميل بسيطاً ومباشراً، لما اضطر إلى الاستعانة بخدمات مستشار. على الأرجح أن لديه موظفين أكفاء كانوا قادرين على إيجاد الحل بأنفسهم وتوفير الفاتورة المرتفعة التي غالباً ما ترافق الاستشارات.
من أبرز الفوائد التي يجلبها المستشارون معهم هي خبراتهم في حل أنواع مختلفة من المشكلات لعملاء من صناعات متنوعة. فهم يقدّمون منظوراً متشعّباً قد لا يتمكن الموظفون الداخليّون من الوصول إليه لأنهم منغمسون في تفاصيل صناعتهم. كما أن المستشار يأتي برؤية خارجية، بعيداً عن السياسة الداخلية للمؤسسة، ويمكنه الإشارة إلى “الفيل في الغرفة” الذي يتم تجاهله عمداً.
لا شك أن الخبراء المتخصصين ضروريون دائماً — فالمستشار المتخصص في إدارة دورة الإيرادات يمكنه مساعدة قسم الفوترة في مستشفى. لكن المستشار العام الجيد، الذي يملك خبرة متنوعة، يمكنه الاستفادة من خلفيته الفريدة لحل مشكلات معقدة استعصت على الحل.
2.5. القدرة على التعاون مع الجميع
قد يتم تعيينك كمستشار من قبل مجلس إدارة شركة، أو الإدارة العليا، أو قسم محدد داخل المؤسسة. سيكون من المفيد أن تتحلّى بالثقة عند التعامل مع أصحاب المصلحة والموظفين الذين سينفذون الخطط المقترحة. إن تطوير التوازن، واللباقة، والود، ومهارات الاستماع والتواصل العام الفعّالة سيخدمك جيداً في أي بيئة عمل.
مع ذلك، من المهم أن تدرك أن المشروع الاستشاري غالباً ما يؤثر على الآخرين أيضاً. عندما كنت أعمل كمهندس بيئي ضمن مؤسسة حكومية، رغم أنني كنت أقدّم تقاريري مباشرة إلى نائب المدير، إلا أن مشروعي كان سيؤثر على الكوادر الفنية التي تقوم بالعمل الهندسي في الميدان. ومع أن الإدارة كانت قادرة على فرض التغيير من أعلى الهرم بعبارة “نفّذ لأنني قلت ذلك”، إلا أنهم أدركوا أن اقتراحي لإشراك الكوادر في عملية اتخاذ القرار كان لمصلحتهم. فليس من الواقعي توقع نجاح مبادرة تغيير كبيرة إذا واجهت مقاومة من نسبة كبيرة من الموظفين.
كمستشار، من المهم أن تفهم وجهات نظر جميع أصحاب المصلحة، لا فقط من يحملون ألقاباً عليا. من خلال إشراكهم في العملية — سواء بجمع الملاحظات أو مشاركتهم في صياغة الحل — فإنك تُظهر الاحترام لهم، ويزيد احتمال نجاح المشروع لأنهم سيكونون جزءاً منه ومؤمنين به.
2.6. التنظيم وإدارة الوقت
عندما تستعين شركة بمستشار لمساعدتها في إعادة الهيكلة أو معالجة مشكلة ما، فإن وقتهم سيكون بنفس قيمة وقتك. من المرجح أن الاجتماعات ستكون جزءاً لا مفر منه من العملية، ولكن يمكنك إظهار احترامك لوقتهم من خلال إدارتها بكفاءة واختصار. يمكنك التنسيق مع المعنيين مسبقاً لإعداد جدول أعمال، والتحلي باللباقة مع الحزم للحفاظ على سير الاجتماع وفق الهدف المطلوب. تذكّر أن وقتك يُحسب ضمن فاتورة العميل، لذا من مصلحتهم أن يكون كل شيء منظماً قدر الإمكان.
يمكنك اقتراح حصر الاجتماعات على الموظفين الأساسيين فقط، خاصةً خلال المرحلة التمهيدية التي يتم فيها تحديد نطاق المشروع الاستشاري. استعد جيداً لكل اجتماع، وكن جاهزاً بالمواد والعروض التقديمية الإلكترونية، لتقديم اقتراحاتك بثقة وتجنّب التأخير.
قم بتوثيق كل شيء — إذا لم يتم توثيقه، فكأنّه لم يحدث. هذا مهم بشكل خاص في حال طلب العميل إضافة مهام جديدة أو إجراء تغييرات كبيرة. الحديث الشفهي لا يكفي. كما تقول أشهر الأفلام: “دوّن كل شيء كتابياً دائماً.”
إذا طلب العميل تغييراً في نطاق العمل أثناء الاجتماع، فتابع الاتصال فوراً بإرسال بريد إلكتروني مفصّل يوضح ما فهمته من المكالمة، وأي وقت إضافي أو تكاليف إضافية قد تترتب على الطلب الجديد، واطلب التأكيد. حسب نظام شركتك، قد يتطلب ذلك إصدار وثيقة “تغيير في النطاق” يوقّع عليها جميع الأطراف المعنية.
2.7. المصداقية
قال لي أول عميل تعاملت معه عبارة لا أنساها: “عملك سيُعرض على التنفيذيين ومجلس الإدارة، ولا تملك رفاهية ارتكاب الأخطاء.”
قد تبدو العبارة قاسية بعض الشيء، لكنها حقيقية تماماً. الثقة هي أساس كل علاقة، وبصفتك مستشاراً، فأنت تعمل في مجال الثقة. لديك سمعة واحدة، ومن المهم ألا تفعل ما قد يعرّضها للخطر. راجع كل شيء ثلاث مرات، وكن على دراية تامة بعروضك التقديمية والأرقام التي تستند إليها.
تستمد مصداقيتك كمستشار أيضاً من خبرتك في الميدان. كثير من المستشارين يدخلون هذا المجال في مراحل متقدمة من مسيرتهم المهنية، ويستندون إلى تاريخ غني يساعدهم على دعم عملائهم. أما من هم في بداياتهم، فيمكنهم أن يصغوا جيداً، ويعملوا بجد، ويطرحوا الأسئلة، ويقرؤوا كثيراً عن الاستراتيجيات.
يمكن للتعليم الإضافي أن يعزز مصداقيتك. المسار الشائع هو الحصول على درجة ماجستير في إدارة الأعمال (MBA). كما يمكنك التقدّم للحصول على شهادات مهنية معتبرة. ولعل أفضل خيار لمعظم المستشارين هو شهادة “مدير مشاريع محترف” (PMP)، بينما قد تناسب بعض الاستشاريين الآخرين شهادات تخصصية مثل شهادة مدقق نظم المعلومات المعتمد (CISA) أو شهادة الحزام الأخضر في سيغما ستة (CSSGB).
كما يمكنك إنشاء موقع إلكتروني شخصي أو مهني باستخدام أدوات مجانية مثل Wix، أو الاستعانة بمستقل على منصة خمسات أو منصة Fiverr. أو الاشتراك بمنصات احترافية للمستشارين مثل منصة Lounge Business. يمكن لموقعك أو بروفايلك على هذه المنصة أن يروي قصتك ويقدّم للزوار لمحة أوسع عن شخصيتك ومؤهلاتك.
أما إذا كنت قد قطعت شوطاً كبيراً في مسيرتك المهنية، فيمكنك بدء بودكاست خاص بك أو أن تكون ضيفاً في بودكاست مشهور. وإذا كان لديك الكثير لتقوله ووقت فراغ كافٍ، يمكنك حتى كتابة مقالات أو كتاب لتشارك فيه أفكارك وفلسفتك في مجال الأعمال.
3. كيفية تحسين المهارات الاستشارية
يُعد العمل الاستشاري اليومي فرصة ممتازة لتطوير مهاراتك. فإذا نظرت بشكل نقدي إلى تفاعلاتك اليومية، ستتمكن من تحديد المجالات التي تتميّز فيها، وتلك التي تحتاج فيها إلى تحسين. إليك بعض الطرق لتطوير مهاراتك:
3.1. التحدث مع مستشارين
تُعد المقابلات التعريفية وسيلة رائعة للتعرّف بشكل أعمق على المجال، وقد تفتح لك الأبواب للحصول على توصيات من شركات ترغب في العمل معها. تحد ث إلى مجموعة متنوعة من الأشخاص، واكتشف كيف وصلوا إلى ما هم عليه، وما المهارات التي يستخدمونها في عملهم، وماذا تعلموا من تجربتهم المهنية.
3.2. الالتحاق بدورة استشارية
توفر العديد من المؤسسات المهنية دورات تدريبية تؤهل للحصول على شهادات معتمدة. ابحث عن البرامج التي تغطي المهارات التي تود تطويرها، وتحقق مما إذا كانت الشهادات المعتمدة من جهات معينة يمكن أن تساعدك في الحصول على عملاء جدد أو فرص عمل إضافية. يُعد كل من “كورسيرا” (Coursera) و”يوديمي” (Udemy) مصدرين رائعين لتعلّم المزيد بتكلفة منخفضة مقارنة بالحصول على شهادة أكاديمية.
3.3. زيادة الاحتكاك والخبرة
حاول العمل مع أنواع مختلفة من العملاء بدلاً من الالتزام بنفس نوع الاستشارة في كل مشروع. كل تجربة جديدة تمنحك انكشافاً على شيء مختلف، مما يوسّع من قاعدة معرفتك. يمكنك أيضاً تشكيل مسارك المهني بالتركيز على نقاط قوتك الأكبر.
3.4. دراسة أفكار الخبراء
يكتب العديد من المستشارين الناجحين مقالات علمية وكتباً ويقدّمون محاضرات مصورة حول كيفية تطوير المهارات. ابحث عن أولئك الذين تتوافق فلسفتهم ومهاراتهم مع أهدافك المهنية، وادرس أساليبهم ونصائحهم.
4. كيفية تطبيق المهارات الاستشارية في مكان العمل
بينما تواصل تطوير مهاراتك الاستشارية الأساسية، إليك بعض الطرق لتطبيقها عند التعامل مع العملاء:
4.1. فكر بطريقة إبداعية
قد يكون دورك كمستشار هو دمج الأفكار والخبرات المختلفة للموظفين في نموذج جديد لممارسة الأعمال. وقد تلهم مهاراتك في التفكير الإبداعي الآخرين لطرح أفكارهم أيضاً، وتشجع التعاون والمبادرات الابتكارية التي يمكن للشركة تنفيذها بعد انتهاء عملك معها.
4.2. تعاون مع الجميع
يؤتي التعاون ثماره عندما يُدار من قبل قائد قوي — وهو دور يتناسب بشكل طبيعي مع المستشار. فالقائد الجيد لا يهيمن على الحوار، بل يشجّع الجميع على المشاركة بينما يوجّه النقاش بطريقة مركّزة ويتجنب الخروج عن الموضوع.
4.3. كن واثقاً من نفسك
بصفتك مستشاراً، فإنك غالباً ما تكون الشخص الخبير في الغرفة. ويمكنك إثبات هذه الثقة من خلال عرض معرفتك وإبراز تطورك المهني وخبراتك السابقة.
4.4. كن محل ثقة
أنجز المهام التي التزمت بها. أجب عن الأسئلة المطروحة، وابحث عن الإجابة لاحقاً إن لزم الأمر. التزم بالمواعيد النهائية، وحاول أن تطبّق مهاراتك على كل حالة فريدة تواجهها.


